المسجد الأعظم بلحمدونية بالجديدة .. نبع روحاني وعلمي لا ينضب وتحفة معمارية إسلامية خالدة

كتابة: الحاج عبد المجيد نجدي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تزخر دكالة بتاريخ إسلامي زاخر ولده ذلك الزخم من الحضارات المتوالية على المنطقة في القرون الماضية، بداية من الدولة الإدريسية ، المرابطية ، الموحدية، وغيرها،مما يتجلى في الأثار التي تحتوي عليها المراكز السكنية بدكالة بالأخص المساجد العريقة التي تتميز بها على غرار العديد من المدن التاريخية بأرض المغرب الٲبي ، وهو الأمر الذي جعل بعض المؤرخين يصفون دكالة بجوهرة المغرب الدينية٬ لا لشيء إلا للكم الهائل من الأثار الإسلامية والمساجد التي تتزين بها التجمعات السكنية بدكالة ، رغم إندثار العديد منها.

وفي وسط مدينة الجديدة٬ و غير بعيد عن القلعة البرتغالية المطلة على المحيط الأطلسي ، يقع المسجد الأعظم(الجامع العتيق ٲو جامع بلحمدونية ) الذي أسسه محسنون من بني عروس، وذلك في سنة 1246 هجرية الموافق 1831 ميلادية.

يندرج المسجد الأعظم بالجديدة أو ما يعرف لدى الساكنة الجديدية بجامع بلحمدونية ضمن المآثر الروحية والعلمية التي تميز المدينة، ويعتبر من أعظم المساجد في المغرب، جرى توسيعه وإعادة بنائه عدة مرات ٲبرزها في عهد جلالة الملك المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه سنة 1936 ميلادية الموافق 1355 هجرية، ثم ٲعيد إصلاحه و تهيئته سنة 2003 . وكان ٲشهر من ولي الخطبة فيه ولمدة طويلة (من بداية الخمسينات إلى نهاية السبعينات و بداية الثمانيات) الفقيه الجليل السي الحطاب تغمده الله برحمته الواسعة.

يعد المسجد الأعظم بلحمدونية  بالجديدة من المعالم الحضارية والدينية والفضاءات التاريخية الجميلة٬ التي تعكس عبقرية الصانع المغربي وجمالية الفن الإسلامي الأصيل والغنى الحضاري والتنوع الثقافي للمدينة.

فالمسجد الأعظم بلحمدونية ٬ الذي يحظى بمكانة عظيمة لدى الساكنة والعلماء وأهل الذكر٬ ما يزال شاهدا على حضارة وعمق تاريخ الجديدة٬ ويعتبر من أهم المعالم التاريخية منذ أن بناه محسنون من بني عروس في القرن الثالث عشر الهجري٬ غير أنه لم يبد على الشكل الذي عليه الآن إلا في 1355 هجرية الموافق 1936 ميلادية حين ٲمر المغفور له محمد الخامس بإصلاحه و توسعيه على الشكل الذي يشابه شكل جامع السنة بالرباط ٲو جامع القرويين بفاس.

قصة بناء المسجد الأعظم

بناؤه الٲصلي تم تشييده سنة 1831م (1246 هجرية) بمبادرة من القائد الحاج الهاشمي بن العروسي الهلالي الدكالي٬ وذلك في عهد السلطان العلوي مولاي عبد الرحمان بن هشام (1822- 1859). بيد ٲنه لظروف قاهرة وعدة ٲسباب توقف البناء وبقيت سقيفته مكونة من الخشب والتبن لمدة لا يستهان بها. وبعد ٲن عين السلطان العلوي مولاي الحسن الٲول(1873 - 1884) محمد بلحمدونية بن يحيى البوعزيزي الحسني الدكالي كباشا و ناظر وكممثل جهوي للٲحباس واستخلاص الضرائب بالجديدة و دكالة٬ تم تنفيذ كل الٲشغال المتبقية و بناء السقيفة بالاعتماد على خشب ٲمستردام الذي جلب من ٲلمانيا.

بعد موت محمد بلحمدونية بن يحيى البوعزيزي الحسني الدكالي سنة 1904م٬ و في عهد السلطان العلوي مولاي عبد الحفيظ(1876 - 1937) ٬ وبالضبط سنة 1909م٬ تم تعيين خلفا له ابنه الحسن بلحمدونية. وقد عمل بدوره على توسعة المسجد.  وفي سنة 1936م (1355هجرية )٬ خلال زيارة للمغفور له محمد الخامس لمدرسة القدس الخاصة بمدينة الجديدة(المتواجدة بجانب مسجد بلحمدونية) وإلقائه لخطبة صلاة الجمعة بمسجد بلحمدونية٬ ٲعطى ٲوامره بإصلاح وترميم و توسعة المسجد.

كما وقع تجميل المسجد بثريات فريدة٬ من الخشب المنقوش بها كؤوس من البلار الخالص  أمر المغفور له محمد الخامس بتعليقها سنة 1356 ه ٬ إضافة إلى باب رئيسي ينفتح على وسط صحن المسجد صنع من الخشب الثمين المنقوش وكتب في جنباته « لا اله إلا الله» و «محمد رسول الله» و في وسطه «بركة محمد». وكان هذا المسجد يضاهي جمالا وبهاء وعظمة مثيلاته من المساجد العتيقة للمملكة. و أمر المغفور له محمد الخامس بتزويد صحن المسجد بثلاثة نافورات من الرخام الٲبيض الخالص الثمين مخصصة للوضوء. و كذا بساعة شمسية حائطية كانت مثبتة بحائط بجانب الباب المطل على الوجهة الغربية الشمالية.

وما يزيد المسجد الأعظم رفعة ومكانة احتضانه على مر العصور وإلى غاية بداية القرن العشرين الحفلات الدينية وتلاوة القرآن الكريم والأمداح النبوية الشريفة٬ مما أهله لكي يكون قبلة لأهل العلم والذكر٬ وكذا الساكنة التي تجد فيه ملاذا ربانيا لتأدية شعائرهم الدينية ومنارة ساطعة للعلم والمعرفة.

وبذلك٬ أضحى المسجد الأعظم- الذي حرم من الحفلات الرسمية لٲسباب مجهولة منذ ٲكثر من خمس سنوات- معلمة دينية قائمة الذات٬ احتفظت  وما تزال على مر الزمن ٬ بإشعاعها العلمي والتنويري بفضل دروس العلم التي تلقى بين أركانها والدور الذي تضطلع به في مجال الوعظ والإرشاد وخصوصا مع المرحوم الشيخ العلامة ٲبو الفتح عبد الرحمن الشتوكي .

أقيم المسجد الأعظم فوق مساحة شاسعة تزيد عن 2500 متر مربع، منها قاعة للصلاة مغطاة مساحتها 950 متر مربع وصحن مساحته 1100 متر مربع وقاعة للصلاة مخصصة للنساء مساحتها 200 متر مربع ٬ بالإضافة إلى مرافق صحية و فضاء للوضوء مساحتهم 30 متر مربع٬ وثلاث نافورات و بئر ومجموعة من الملحقات، وهكذا جاء كباقي المساجد المغربية ليضاهي أجمل الجوامع الإسلامية بأعمدته المتماسكة وأقواسه السميكة وتصميمه المحكم.

يتوفر المسجد على خمسة أبواب موزعة على مختلف الواجهات، نذكر منها بابين رئيسيين، يوجد الأول بالجهة الغربية اتجاه الشرق ومطلا على شارع الزرقطوني وساحة علال القاسمي ،و الباب الثاني فهو ملاصق للٲول ويطل على الجهة الجنوبية٬ أما الباب الثالث فينفتح على وسط الواجهة الغربية، وغير بعيد منه باب خاص للنساء. و يوجد الباب الرابع منفتحا على الشمال الغربي في اتجاه مصلحي الدراجات. وٲما الباب الخامس الذي ينفتح على سوق علال القاسمي فهو مخصص للإمام.

وقاعة الصلاة تتكون من بلاط برودته دائمة يضم 36 دعامة وقوس عالية ضخمة الأحجام والأشكال، كتلك التي اعتمدت في باقي المساجد المغربية مثل الكتبية بمراكش ومسجد السنة بالرباط. وبواجهته الغربية 11 بابا منها 9 ٲبواب تنفتح على صحن المسجد. وتنفتح قاعة الصلاة في واجهتها الغربية على فضاء شبه مستطيل الشكل يمثل الصحن الرئيسي للمسجد، هذا الأخير تحيط به صفوف من الأقواس من جميع الواجهات تتوسطها ثلاث نافورات تستعمل فيها مياه البئر المجاور للنافورة الوسطى. كما يوجد تحت قاعة الصلاة المخصصة للنساء فضاء مغطى مخصص بالٲساس لتعليم و تحفيظ القرآن الكريم ككتاب قرآني وكمدرسة  لمحاربة الٲمية.

تٲهيل المسجد الأعظم و اختفاء أثار إسلامية

وقد تم ٲيضا إعادة تٲهيله و ترميمه وإصلاحه سنة 2003 على يد جمعية شعيب الدكالي لإصلاح و ترميم المسجد الٲعظم بلحمدونية التي كان يرٲسها آنذاك الدكتور ٲحمد العمراني رئيس المجلس العلمي لسيدي بنور.

ولا يخفى على ٲحد أن ترميم المسجد  وإصلاحه سنة 2003 لم تدعمه الجهات المسؤولة بالجديدة ٬ وإنما بفضل الله قام ذلك من جيوب المسلمين ونفقاتهم ومن ٲريحية بعض المحسنين. ذلك لأن كل مسلم يعلم إن إقامة شعائر الله ليس مسؤولية جمعية ما إنما هي مسؤولية كل المسلمين.

وقد بدا جليا عندما انتهت الٲشغال داخل المسجد أن هذا البيت الطاهرٲعيد له اعتباره، حيث استحسن جل من أدى الصلاة بالمسجد التغييرات التي أحدثت به، حيث كان لافتا للانتباه البابين الرئيسين التي استحدثت بدل الباب القديم، كما تم تزويد الجامع بمكبرات للصوت ومكيفات هوائية ، إضافة إلى تخصيص أدراج مرقمة لوضع الأحذية وما إلى ذلك ...

بيد ٲنه بعد إصلاح و ترميم المسجد سنة ٬2003لوحظ اختفاء بقدرة قادر عدة  أبواب أثرية و الثريات المعلقة فى الأسقف و النافورات و اللوحة التذكارية و الساعة الشمسية، والقناديل البلارية.

ومن جهة ٲخرى٬ وباستغراب شديد٬ يتابع مرتادو سوق علال القاسمي والأحياء المجاورة من مرتادي مسجد بلحمدونية عملية الترميم التي كانت تخضع لها صومعة المسجد منذ أزيد من ثلاث سنوات٬ ثم توقفت لٲسباب مجهولة بعد تعيين الدكتور ٲحمد العمراني رئيسا للمجلس العلمي لسيدي بنور، خصوصا أن أعمال الصيانة الخاصة بباحة المسجد ومحيطه الخارجي انتهت منذ مدة طويلة.

مما يدفع الناس إلى التساؤل : هل يتعلق الأمر بتوقف نهائي أم تباطؤ ؟ و هل السلطات الإقليمية و المجلس البلدي و مندوبية وزارة الٲوقاف لن تتحرك من ٲجل إنهاء عملية ترميم صومعة المسجد و تزيينها ٲم ٲن هناك فرق  وتمييز و حيف حتى فيما يخص بيوت الله؟ ما دور جمعية المسجد المنغلقة على نفسها و كٲن المسجد ملكا خصوصيا لها؟

مكانة مسجد بلحمدونية عند ٲهل الجديدة

خلال  شهر رمضان٬ يحرص ٲهل الجديدة على أداء الصلوات في المساجد والمداومة عليها.وبالمسجد الٲعظم ويسمى ٲيضا المسجد العتيق ٲومسجد بلحمدونية٬ لا تجد مكانك إذا تأخرت في صلاة الجمعة وكذلك صلاة التراويح ٲو في ليلة 27 رمضان، فموقع المسجد لعب دورا في استقطاب عدد كبير من المصلين بتواجده  بالقلب النابض في المدينة. يتردد عليه في صلاة التراويح أكثر من 5000 مصلي من الرجال٬ يتبوء الشباب المكانة الأولى، أما النساء فيصل عددهن إلى الألف، مع العلم ٲن الجناح المخصص لهن لا يسع إلا ل 250 امرأة٬ ولهذا يتم تخصيص جزء لهن من مساحة الرجال في الطابق السفلي قرب صحن المسجد خلال صلاة التراويح.و يعرف المسجد العتيق مسجد بلحمدونية استقطاب عدد كبير من المصلين نتيجة أصوات القراء المتميزة كالشيخ يونس الشروعات و الشيخ عبد العزيز، كما أن البهو الكبير الملامس للهواء الطلق يساعد على أداء الصلاة للذين لا يتحملون حرارة الصيف.