الباعة المتجولون و الفراشة يكتسحون شوارع

مدينة الجديدة والسلطات المحلية تتخذ الحياد السلبي

كتابة : الحاج عبد المجيد نجدي و المصطفى لخيار

اكتسح المئات من الباعة المتجولين مختلف الشوارع الرئيسية لمدينة الجديدة، وحولوها إلى أسواق مفتوحة بين عشية وضحاها بدون ترخيص من السلطات ولا مصالح البلدية التي اتخذت الحياد السلبي. و تفشي ظاهرة الاحتلال زادت من سوداوية مدينة الجديدة، عفوا « دُوّارْ اجديدة» كما يراد و يخطط لها في الخفاء.

فعبر شارعي الزرقطوني والحسن الثاني و ساحات محمد الخامس و الحنصالي و علال القاسمي و عبد الكريم الخطابي «يجثم» العشرات من الباعة المتجولين فوق الأرصفة و فوق الطريق أيضا ، بينما يتعين على الراجلين والسائقين اتخاذ كامل الحيطة والحذر والتقليل من السرعة قدر الإمكان لتفادي مشاكل الازدحام التي تركت الحبل على الغارب ، فوجدها الباعة فرصة لا تعوض لاحتلال المزيد من ساحات الشوارع بتناسل عددهم يوما بعد آخر.

عربات مجرورة بالحمير وأخرى يدوية وطاولات وصناديق خشبية ومنشورات من البلاستيك تؤثث الشوارع يوميا ، تعرض أنواعا شتى من السلع ، وخلفها يقف شباب وبعض النسوة تتعالى صيحاتهم المبحوحة لإثارة اهتمام المارة لأهمية ما يعرضون من بضائع وسلع مختلفة. و هكذا ، تحولت أغلب شوارع المدينة إلى محج لمئات الباعة المتجولين الذين استوطنوا الأرصفة وبدؤوا يزاحمون أصحاب المحلات التجارية على طول الشوارع في كل أنحاء المدينة. فاختفى الرصيف من شوارع الجديدة، بعدما احتله الباعة الجائلون منذ زمن بعيد، ومعهم أصحاب المقاهي والمطاعم بأغلب أحياء مدينة الجديدة التي أصبح فيها حق المواطنين في السير فوق الرصيف من سابع المستحيلات، بعد أن انتصر محتلو الملك العمومي على القانون.
وفي المقابل، لم تلق شكايات عديدة توصلت بها السلطات العمومية والمصالح البلدية من المتضررين الآذان المصغية، خصوصا بعدما انضافت إلى مسلسل احتلال الملك العمومي الذي كان إلى وقت قريب مرتبطا بالمحلات التجارية وأغلب المقاهي المنتشرة على طول الشوارع الرئيسية.
و قد أصبح الفراشة يتحكمون بمزاجية مفرطة في المساحات التي يستغلونها لعرض سلعهم على الأرصفة وعلى طول الشوارع المحيطة بها، وتبدو هذه الظاهرة بجلاء في محيط سوق علال القاسمي وعلى جنبات الشوارع المؤدية إليه، حيث تعود أصحاب عشرات العربات التي تجرها الدواب عرض بضاعتهم من الخضر والفواكه دون الاكتراث بشل حركة المرور، بينما يفرض “الفراشة” بمحاذاتهم قانونهم الخاص في غياب دور واضح للسلطات المعنية عبر تكديس سلع مختلفة وعرضها للبيع في تحد تام لكل الضوابط.

الوضع نفسه وحالة الفوضى تعم “الكورنيش” و السعادة و الصفاء و السلام و غيرهم، إذ لا صوت يعلو على أصوات الباعة الذين يعرضون بسخاء أنواعا مختلفة من السلع والمأكولات التي لا تخضع لأدنى مراقبة صحية، كالحلزون، والوجبات السريعة التي يتم إعدادها في الهواء الطلق، إذ تتناغم روائحها مع روائح الأزبال المنتشرة بين جنبات الطرق و حتى في وسطه.

استباحة الملك العمومي و واقع السيبة

وترتفع حدة الفوضى والضجيج تدريجيا في اتجاه ساحتي الحنصالي و محمد الخامس، وهناك عشرات الباعة المتجولين و”الفراشة” يجتهدون لإيجاد موطن قدم لهم بين الأرصفة والمساحات الفارغة، وجلب المزيد من الزبناء، في جو لا يخلو من مشاحنات بينهم، أو بينهم وعدد من المارة الذين لا يستسيغ بعضهم المعاكسات التي غالبا ما تصدر عن متحلقين حول هذه العربات تجاه بناتهم أو زوجاتهم، أو متسللين داخل الزحام بدافع التحرش أو السرقة ، في ظل استباحة الملك العمومي وتساهل السلطات مع هؤلاء الباعة، الذين يختفي بينهم أصحاب سوابق، إذ حطمت المدينة أرقاما قياسية في حجم المساحات المحتلة داخل الأرصفة والشوارع الرئيسية، وباتت معها هذه الممارسات تصنف مدينة الجديدة بجانب ممارسات أخرى تعرف بها مدينة تكرس واقع السيبة والخروج عن القانون،مما يرسم صورة قاتمة حول دور السلطات في حماية امن المواطنين وسلامتهم والحرص على جمالية المدينة ،وبالمقابل يستمر زحف أصحاب المحلات التجارية والمقاهي على الملك العمومي وبجانبهم الباعة المتجولين، في تحد صارخ لحقوق المارة والراجلين الذين يضطر الكثير منهم إلى المشي وسط الطريق بسبب احتلال الأرصفة والممرات المخصصة لمرورهم.

شكايات واستنكار

و خلال فصل الصيف، تنامت الظاهرة بشكل كبير مع تزايد إقبال العديد من الفراشة خصوصا القادمين منهم من مدن و قرى مختلفة بحثا عن فرص أفضل لكسب قوتهم اليومي ، وبجانبهم يزحف أصحاب العربات المجرورة من باعة الخضر والفواكه والمأكولات بشتى أنواعها لاحتلال أكبر قدر من المساحات وسط المدينة وعلى أطرافها.
و تجليات ظاهرة “الأسواق العشوائية” جعلت بعض التجار يدخلون في مناوشات ومصادمات لا تنتهي، بعدما تكاثر الباعة المتجولين بالقرب من محلاتهم دون أن يكونوا ملزمين بأداء الضرائب ولا مصاريف الإنارة والنظافة المفروضة على أصحاب المحلات التجارية، فضلا عن مضايقتهم لمستعملي الطريق وتلويثهم للفضاء بمخلفات بضائعهم وروث دوابهم.
من جانب آخر، استغرب عدد من المواطنين الحياد السلبي الذي تلتزم به السلطات الإقليمية و المحلية، وهو ما يشجع حسبهم أكثر على الممارسات التي يقوم بها الباعة، وبينهم كثير من المنحرفين وأصحاب السوابق الذين لا يترددون في الدخول في مواجهات دامية، نظير ما تشهده باستمرار جنبات سوق علال القاسمي وسوق بئر ابراهيم ومساحات واسعة بالحنصالي والكورنيش، بجانب مظاهر الفوضى والسرقة والتحرش الجنسي، وما إلى ذلك من المظاهر المخلة بالآداب والمتاجرة في المخدرات واستهلاكها، دون حسيب أو رقيب، بعدما صار رجال الأمن بدورهم يتلافون التدخل لفض النزاعات، التي غالبا ما تتطور إلى مواجهات تستعمل فيها الأسلحة البيضاء بشكل علني.

حملات لذر الرماد في العيون

يكفي السلطات والمنتخبون القائمون بتسيير مدينة الجديدة- التي كان يطلق عليها «دوڤيل المغرب» ياحسرة- مغادرة مكاتبهم المكيفة وكراسيهم المريحة، لبعض الوقت، لاكتشاف حجم الفوضى و”السيبة” التي تنخر جسد الجديدة/مزاغان، من قبل الباعة الجائلين وأصحاب المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية الذين لا يجدون حرجا في إعمال “شرع أيديهم” في احتلال الملك العمومي في تحد صارخ للقانون وشكاوي السكان والمارة المتضررين من أعمالهم. أما فيما يخص حملة محاربة احتلال الشوارع و الملك العمومي ، فذلك مجرد “الكذبة الكبرى”.

إن غض الطرف عن فوضى احتلال الملك العمومي يسائل من أسندت لهم مسؤولية السهر على سلامة تطبيق القانون بمدينة الجديدة، لأن استمرار مسلسل فوضى الترامي على الملك العمومي أكد بالدليل والبرهان أن هذه الحملات لم تكن سوى حملات موسمية ووسيلة لذر الرماد في عيون المحتجين والمستائين من تفشي ظاهرة الاحتلال التي زادت من سوداوية مدينة الجديدة، عفوا « دُوّارْ اجديدة» كما يراد و يخطط لها في الخفاء.