المقاهي الشعبية في الجديدة.. منصات

للذاكرة وطقوس اجتماعية وفكرية

أثرت الوجدان لحوالي قرن من الزمن

تحقيق : الحاج عبد المجيد نجدي و المصطفى لخيار

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تشكل المقاهي الشعبية ذات الطابع التقليدي جزءاً حميمياً من ذاكرة مدينة الجديدة العريقة التاريخية منها والعمرانية و الشعبية، خاصة وأنها كانت تتجاوز بحضورها المادي كبوتقة تلم شمل الأصدقاء وتوطد الصلات الاجتماعية عامة. وكانت تشكل في الوقت نفسه منصة عريضة لأشكال متعددة من النشاط السياسي والاجتماعي على امتداد حقب زمنية متتالية رسمت في مجموعها تاريخ المدينة المستلقية على زند البحر. و هكذا كانت في ما مضى الملاذ الوحيد للتسلية والتواصل والترفيه عن النفس، ما جعل من المواظبة على الجلوس في هذه الأماكن الحميمية آنذاك نمطاً حياتياً راسخاً، يخفف من أعباء العمل ومن رتابة الحياة اليومية.

وهكذا كانت المقاهي الشعبية تلعب دورًا في نشر ثقافة الفن الشعبي الأصيل وتنّمي في المواطنين أبجديات حب الوطن وتغرس فيهم شمائل الدفاع عنه ضد الإستعمار الفرنسي المحتل، بل وحتى تكوين أطر كثيرة الذين يشرفون الجديدة في مختلف المحافل الدولية، بخلاف مقاهي اليوم التي أضحت أماكن للتسلية ونسج العلاقات الغرامية وتدخين "اجوانات" و الشيشة والتصادم بين أنصار ناديي البارصا والريال وتضييع الوقت في الكلام الفارغ الذي لا فائدة منه. وهكذا فالمقاهي الشعبية بمازاغان    «MAZAGAN » شاهد حي على حياة المدينة وتحولاتها خلال ما يقارب قرن من الزمن!

مدينة الجديدة مدينة مقاهٍ، ذلك أول ما يلفت العين في وسط المدينة، وكذا في ساحتي عبد الكريم الخطابي وعلال القاسمي اللتين اشتُهرا فيهما مقهى «افيخرة» ومقهى«ولد اللاوية». أمّا في ساحة الحنصالي، فقد اشتهر مقاهي «النهضة» المعروفة ب «الَڤانْتكطغ- 24» و«سوس» و«تافيلالت» ، كانوا معروفين بروّادهما من مثقفي الجديدة ومسرحييها وسياسييها وغيرهم كثير، لكن مقهى «النهضة» أُغلق فترة طويلة أيام سنوات الرصاص،و أعيد فتحه و لا يزال صامداً رغم غياب كثير من الوجوه التي كانت مألوفة هناك. في حين انمحى مقهى «سوس» ومقهى «تافيلالت» من الوجود وبني مكانهما ما يمكن تسميته قيساريات.

وفي الماضي، ماضي المدينة البحرية الخلابة قبل أن تخرب هندستها وعمارتها ويتشوّه مشهدها أيّما تشوّه، كان شاطئ البحر يتميز بمقهيين هما «نجمة المحيط» و«الشمس».، لكن تبليط البحر في بداية تسعينات القرن العشرين التهمها جميعاً ولم ينجوا من الاندثار. أما بالحي البرتغالي، وبالضبط مقابل برج الملائكة فوق الممر العلوي للحي، كان هناك مقهى البريجة الذي كان ينظم حفلات غنائية كل أسبوع بحضور عائلات جديدية محترمة.

ورغم انتشار المقاهي العصرية المختلفة التي تغري الزبون و توفر له خدمات متميزة و ظروف الراحة الكاملة بالجديدة، إلا أن المقاهي الشعبية و رغم بساطتها فهي ما زالت تستقطب زبائنها الأوفياء الذين يجلبهم إليها تيار الحنين و جمال الجلسات الشعبية و ديكورها التقليدي رغم بعض الروتوشات العصرية التي ترحل بجليسها إلى زمن الأجداد الجميل من خلال ارتشاف مشروبات تقليدية من شاي أو قهوة يتفنن في تحضيرها قهوجيون إخصائيون. و هكذا ما زالت تعرف المقاهي الشعبية بالجديدة توافد كبير من الزبائن من مختلف الشرائح الاجتماعية و الفئات العمرية لا سيما في نهاية الأسبوع والعطل على مدار السنة.

ويختلف الشاي في تحضيره من شخص إلى آخر و من مقهى إلى أخرى، رغم أنه يحضر على العموم بالطريقة نفسها تقريبا إلا أن بصمة خاصة يضفيها أهل الاختصاص الذين يعرفون كل صغيرة و كبيرة تتعلق بتحضيره جعلت من هؤلاء يملكون سمعة كبيرة يتنافس أصحاب المقاهي الشعبية للظفر بخدماتهم لضمان الزبائن بعدد أكبر.

إن الزائر المتفنن لا يمكنه مغادرة هذه المدينة دون أن يرتشف مشروبا تقليديا يحضر بطريقة متميزة بمقهى افيخرة التي تعتبر واحدة من أهم المعالم السياحية و التاريخية باعتبارها من أوائل و أقدم المقاهي بالجديدة و التي زارها العديد من الشخصيات الثقافية و السياسية التي مرت على هذه البلدة الطيبة لا سيما و أن هذا المقهى يقع في قلب المدينة في مكان يسمى "عرسة ڭالييني" و بمقربة من المسجد العتيق"جامع التوازة". و يعود تاريخه إلى العهد الاستعماري و مازال إلى يومنا هذا يحافظ على طابعه التقليدي رغم بعض الروتوشات الحديثة. و الزائر له لأول مرة ينتابه شعور أنه في الثلاثينات من القرن الماضي، حيث مازال يحافظ على بعض أصالته من خلال هندسته.وهذا المقهى جزء من ذاكرة مدينة الجديدة.

وغير بعيد عن الملاح و قيصارية التوازة، كان هناك مقهى" البحارة "والذي كان يرتاده الصيادون خلال أوقات النهار للراحة وعدد من الرواد من شرائح اجتماعية مختلفة اتخذت من الجلوس على مقاعده وطاولاته الخشبية طقساً اجتماعياً بل تقليدا مستقرا لسنوات متتالية. فتحول هذا المقهى بمرور الوقت إلى جزء أساسي من ذاكرتهم ومن إرثهم الاجتماعي والروحي والفكري.

وكانت تنبثق أهمية هذا المكان من كونه وفر في الأمس البعيد فسحة للتلاقي بين شرائح متعددة من السكان المحليين والقادمين من بقاع العالم المختلفة عبر البحر والذين درجوا على الجلوس في هذا المقهى الشعبي وتبادلوا الأحاديث المتنوعة.

أما قبالة الملاح، فكان هناك مقهى "أْمّالين لكْواتْشا" الذي كان لا يغلق على مدار 24 ساعة تقريبا، حيث يرتاده على الساعة الثالثة فجرا الجزارون والعطارون، ومنه يكون موعد انطلاقهم للذهاب للأسواق. وفي الساعة السادسة صباحا يرتاد المقهى عمال المنشآت والمعامل وعمال البناء... أما وقت العصر، فيشهد ذروة العمل، حيث يجتمع التجار وأصحاب الحرف من الناس. وتناقش فيه أمور التجارة والبيع والشراء والعقود التجارية وغيرها، ويتبادلون الأحاديث ومختلف النوادر والحكايات والأفكار والآراء وسط التذوق بطعم الشاي المنعنع ولعب " الكارطة " أو " الدومينو" أو " الضامة ".

ومن المقاهي الشعبية التي أخذت طابعاً تراثياً مقهى ولد اللاوية الذي أقيم غير بعيد عن ساحة الحنصالي و مسجد بلحمدونية . وكان يوفر هذا المقهى لزبائنه أجواء تراثية نادرة في مدينة فقدت الكثير من ، وكان يمتازبسماته المعمارية والتراثية ، وكانت تتوزع في أركان هذا المكان التراثي المميز و جنباته الكثيرُ من العناصر التزيينية التي تضفي عليه جواً يعبق بروح الأصالة والتراث، كقطع النسيج اليدوي و الصناعة التقليدية االبديعة، والطاولات الخشبية و الحصير المصنوعة بطريقة عفوية تضفي على المكان أجواء حميّميّة. وكانت تتوزع على جدران المقهى بعض اللوحات الفوتوغرافية للسلطان محمد الخامس وعائلته بالمنفى.

في تلك الحقبة الزمنية الماضية، كان ولد اللاّوْية يقدم أكواب قهوة مختلفة عن تلك التي تقدم حاليا ، حيث كانت  القهوة تطهى بواسطة الفحم، و كانت تقدم في أكواب من الفخار حتى تحافظ على حرارتها ومذاقه. كما كان يستعمل (الزيزوة) وهو عبارة عن إبريق متوسط الحجم به يد طويلة من المعدن يملؤها الطاهي بالشاي ثم يضعها على النار حتى يطهو ليقدم ساخنا للزبائن في كؤوس. وزيادة على نوعية مشروباته الجيدة والطيبة التي كان يتميز بها، فإن مقهى ولد اللاوِْية كان لجميع شرائح المجتمع للأغنياء ولذوي الدخل المتوسط وحتى الفقراء والمساكين، لذلك كانت الحياة الاجتماعية في تلك الأيام الغابرة جميلة، سهلة وتتميز بالوقار والاحترام، وكان الشباب والأطفال الصغار نادرًا ما يرتشفون أكواب قهوتهم أو شايهم مع الكبار والمسنين.

وليس لقائمة المقاهي الشعبية المفروشة بالحصير والتي حملت طابعاً تراثياً في الجديدة أن تنتهي سريعا. فقد كانت تحتضن الأحياء الشعبية في زواياها سلسلة طويلة من هذه الملتقيات بينها مامّو و أُبِّيي و الكرْمة و حيلاّن و بوحَدّو و الصويري و بنطويلة ولمعلم علي والرحماني وسواها، مما أغنى حياة الناس وأثرى ذاكرتهم إلى جانب ما وطده من جسور للتواصل بين مختلف أطياف المجتمع الجديدي على مدى عقود من الزمن، ولاسيما أن هذه المقاهي أرست في وقت مضى مجموعة من الطقوس الاجتماعية والثقافية، مما بقي مؤثرا في الوجدان الشعبي حتى يومنا هذا.

أما في رمضان الأبرك، فقد كان للمقاهي الشعبية في رمضان نكهة خاصة جداً، فبعدما يتناول الناس الإفطار، يبدأ النادل بترتيب أقداح الشاي وتنظيفها، ثم يضع إبريقات الشاي أو الزيزوة على نار هادئة استعداداً لاستقبال الزبائن بعد صلاة التراويح. وعادة ما يبقى الناس في المقاهي حتى وقت السحور. وكان يجد معظم الجديديين في المقاهي الشعبية فرصتهم لقضاء وقت ممتع بعد تناول الإفطار وأداء صلاة التراويح. فيجتمع أبناء الحارات الشعبية من مختلف الأعمار، ويتبادلون النقاشات والحوارات عن مشاكلهم اليومية ويستذكرون الأيام الخوالي. وعادة ما يستمتع رواد المقاهي باحتساء الشاي و الاستماع إلى إحدى القصص الجميلة من أيام زمان أوإلى أغنيات أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وناظم الغزالي وفهد بلان و فيروز والحسين السلاوي وإبراهيم العلمي.

وقد كان أيضا يجتمع أبناء المنطقة والأصدقاء بالمقاهي الشعبية ويحاولون التوفيق بين المتخاصمين وحثّهم على بدء صفحة جديدة ، أو إلى البحث عن السبل لمساعدة الفقراء والمحتاجين في المدينة وتفقد أحوالهم.

وبمرور الزمن وتسارع وتيرة التطور، اختلف مفهوم المقهى وغابت الصورة الكلاسيكية للمقهى الذي لا يقدّم سوى الشاي «لمشحر على الفاخر»  والقهوة«لمعصرة بالزيزوة». وظهرت المقاهي المجهزة بشاشات العرض الكبيرة والأنترنت والوجبات السريعة، وانتشرت في الأحياء الحديثة وعلى الكورنيش وكل أنحاء المدينة وهي تغص بالشباب والفتيات في مشاهد تخل بالحياء ومخالفة لقيم مجتمعنا.

واللافت أيام سنوات الرصاص في تطور مقاهي الجديدة هو اضطلاعها بدور أساسي في ظل القبضة الحديدية الأوفقيرية ومتنفذيها. غير أنَّ السؤال يبقى: كيف لمقاهٍ صغيرة في مدينة كالجديدة وضعيفة ومحاصرة أثناء الاستعمار الفرنسي الغاشم أن تؤسس ذاكرةً ومخزوناً رائعين في الحياة السياسية للبلاد؟ كيف تمكنت المقاومة سنة 1953 بمقهى افيخرة أن تخطط لمظاهرة 20 غشت في مثل هذا المكان؟ كيف كان المثقف والفنان والسياسي أن يفكر ويتنقذ داخل هذه المقاهي دون خوف من المؤسسات الأمنية؟ ما المسموح مناقشته وما الممنوع في جلسة فوق الحصير داخل هذه المقاهي؟ لماذا اختفت بالجديدة المقاهي الشعبية ذات الطابع التقليدي في حين ما زالت قائمة الذات وتستغل سياحيا في مدن أخرى كسيدي بوسعيد بتونس و إسطنبول و القاهرة ؟

هناك أسئلة ربما يحسن تركها للحياة تجيب عنها بدل تناولها في الذهن والعقل المسبق. فكلّها كانت ظواهر مستجدّة في البريجة، لا تعود في شكلها الحاليّ بعد أن رسخت قواعد المفهوم الجديد للسلطة.

قديما بالجديدة، كان الشباب والرجال يتسامرون ويقضون وقت فراغهم بالمقاهي الشعبية إما للعب الورق أو الدومينو أو لشرب الشاي والمشروبات الغازية (كروش- لاسيكون...). وكانت تحتوي بهذه المقاهي على راديو يستمع منه رواد القهوة إلى الأخبار والأغاني. . من إذاعة الرباط أو صوت العرب من القاهرة . . وأحياناً كانت توجد في هذه المقاهي أسطوانات الغناء التي يسمعون منها الأغاني القديمة.

و اليوم، يستمر التطور التكنولوجي في العالم بالتواصل مع تطور وسائل الاتصال وانعكاسها على  حياة الناس والتأكيد على مفهوم أن العالم أصبح أصغر من قرية صغيرة ، وبالتوازي مع هذا التطور وتغيير الأجيال المتلاحقة، أخذت وسائل التواصل الاجتماعي بتغيير مفهوم التواصل بين الناس وتؤثر في لقاءاتهم واجتماعاتهم وبدأت المقاهي الشعبية تفقد شيئا فشيئا جزءا من تقاليدها المتوارثة حتى تتمكن من مسايرة الزبائن. ذلك لأن الشباب يبحثون اليوم على المقاهي التي يتواجد فيها شاشات التلفاز الكبيرة التي تنقل مباريات كرة القدم والتي يوجود بها " الويفي" الذي بات مهما في أي مقهى لكي يستطيع التواصل مع الأصدقاء والأهل على حد سواء.

وعلى الرغم من مضي السنوات وتعدد وسائل الاتصال الاجتماعي والتكنولوجي، تبقى المقاهي الشعبية جزءا لا يتجزأ من تاريخ الجديديين، ففيها قضوا أيام أفراحهم وأحزانهم .فهي كانت و مازالت تشكل للناس نسيج حياتهم اليومي أيام زمان ومكان معلوم للمواعيد والتجمعات ولقاء الاحبة والأصدقاء ، وتبقى كذلك شاهد عيان على ما حدث بالجديدة وجزء من تاريخها الجميل..